هشام جعيط

192

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

لقد صنعت المدن الظاهرية التاريخية عند العرب مهما كانت هذه المدن منتساة ، قليلة العدد في خضم عالم البدو . أما الزاد الثقافي ، فمصدره المادة البدوية ، وهو في آن مقبول ومرفوض ، محمود وممقوت . التلاحم بين المدن والقبائل : يتعارض هذا التصور بشدة مع تصور الحضارات المستقرة ، حيث يتبين أيضا في هذا المقام أن المدن تستمد مادتها البشرية من معشر الفلاحين ولا تقتبس منهم قيمها الثقافية الواعية . تحتفظ المدن باحتكار المجال الثقافي في حين أن بقاء القبيلة أساسي في عالم البدو . ولكن القبيلة تتميز كوحدة ممتلكة لكيان ذاتي ، الأمر الذي يفسر عدوانيتها الثقافية . فهي تعمل وكأنها كائن سياسي قائم لا محالة على مبدأ آخر غير مبدأ الدولة . وتفرز في ذاتها قاعدة للسلطة ، وفكرة السلالة في البيت ، وتمييزا اجتماعيا بين الأشراف والضعفاء . في القبيلة هناك كهان ، وأسياد « 1 » ، وحكام النزاعات ، وخطباء وشعراء ، ونواة للفروسية ، وأخيرا حماية كل أفراد القبيلة من الاغتيال بواسطة مؤسسة الأخذ بالثأر . أما بنية القبيلة من الداخل فهي عبارة عن مجتمع سياسي أي منظم . وهي مهيكلة أيضا تجاه الخارج بقدر ما تسير كوحدة متجانسة ، ولا سيما في الحرب . لعلّ هذا ما يفسر أن بلاد العرب « 2 » - باستثناء حالة اليمن القديم خاصة - لم تقدر أو لم ترد أن تتحد بصورة عفوية تحت راية مبدأ الدولة ، حيث كانت تتركب من أجهزة سياسية تكيفت مع واقع البيئة . وعبثا جرت محاولات بواسطة بلاد العرب لبسط النظام الملكي . وقد وجب أن يظهر الحدث الإسلامي كظاهرة استثنائية لترتفع بلاد العرب إلى الحياة التاريخية لكن بصورة جعلت المغامرة تتجاوز سريعا جدا إطارها ومصيرها . مع العلم أن الإسلام نتاج الحياة المدنية . وهذا دليل على أن المدينة وحدها وربما نوعا واحدا من المدينة ، كفيل بتصور المصير السياسي الذي يتجاوز آفاق القبيلة . لكن بمساعدة الحدث الديني وبفضل التلاحم الذي كان قائما عند ظهور الإسلام بين المدينة والقبيلة ، أي عالم الحضر وعالم الترحل أو ما شابهه . لقد كان هذا التلاحم موجودا منذ البداية ، لكنه تأكد بواسطة التجارة والدين . لا

--> ( 1 ) الأشراف هم فئة اجتماعية داخل قبيلة ، ونادرا ما يعنون القبائل المحاربة المعارضة بمجملها للقبائل الأخرى ، كما يؤكد ذلك دونر : F . Donner , The Early Islamic Conquests , p . 30 . الذي يستعير تفسيره من مادة سرجانت : . Serjeant , « Haram and Hawtah » , p . 20 حول هذا الموضوع المراجع كثيرة . راجع بنحو خاص : ابن الكلبي ، كتاب الأنساب ، م . الإسكوريال ، أوراق 13 ، 16 ، 25 ، 27 وما بعدها ؛ ابن حبيب ، المحبّر ، ص 164 ، 181 ، 296 - 303 ، وأسماء المغتالين من الأشراف ، نوادر المخطوطات ، 6 . ( 2 ) Lammens , L'Arabie Occidentale avant l'he ? gire , pp . 106 ff .